ابنك ليس صديقك أيها الأب ، ووالدك ليس كذلك أيها الإبن ، فلا يتوهم أحدكما أو كلاكما بذلك .
المعاملة كصديقك بمعناها الحرفي ، قد توقع في لبسٍ تربوي ، فالأبوة علاقة رعاية وتوجيه وحماية، وقدر من السلطة الأخلاقية والتربوية التي لا يمكن إسقاطها ، وهي ليست علاقة تكافؤٍ يقف فيها الطرفان على أرض واحدة من الحرية والتساوي .
الأب مطالب أن يحتضن، وأن يوجه، وأن يمنع أحياناً، وأن يتحمل تبعات قرارات لا يملك الابن النضج الكافي لتقديرها واحترامها في حينها ، وهذه وظائف لا يمكن أن يقوم بها الصديق .
حين يتعامل الأب مع ابنه كصديق فهو في الغالب لا يقصد إلغاء مقام الأبوة، بل يريد كسر الحواجز النفسية التي تنتاب الإبن إن وجدت بشكل مفرط ، ويريد أن يفتح باب الثقة بلا خوف ولا تصنع ، إنه يبحث عن لغة دافئة داخل مقام الأبوة، وليس استبدال ذلك المقام الأبوي.
والخطأ إن وقع ، فمن أحد طرفين، فإما أن تذوب الأبوة تماماً تحت شعار الصداقة، فتضيع الهيبة ويضعف التوجيه، وإما أن تتجمد الأبوة في صرامة جافة، فينشأ بين الأب وابنه جدار صامت من الرهبة والمسافة، وكلا الأمرين خطرين على الإثنين.
التربية الواعية لا تقف عند أي من هذين الخيارين، بل هي تقع في المنطقة الأعمق والأدق ، وهي أن يبقى الأب أباً في مقامه، وبحدود واضحة ، ومسؤولية حاضرة، لكنه في الوقت نفسه قريب القلب، سهل الحديث، ومأمون الجانب.
ومن المفترض على الإبن أن لا يحتاج لأبٍ يساويه تماماً، كما لا يحتاج أباً يخيفه ويقصيه، بل يحتاج أباً يجمع بين الهيبة والحنان، وبين الحزم والقرب، وبين مقام الأبوة وروح الصداقة.
وهنا فقط يستقيم المعنى ، فالأب ليس صديقاً ، لكنه أحوج ما يكون إلى قلبٍ يفهم كيف يفتح باب الصداقة دون أن يغلق باب الأبوة ، ولهذا نقول أن إسقاط مقام الأبوة باسم الصداقة ليس تطوراً في العلاقة، بل قد يكون اضطراباً من وَهم.
والسلام ..



